الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
370
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وهنا يثار سؤال : كيف يقال أن القلوب التي في الصدور تدرك الحقائق ، في وقت نعلم فيه أن القلب مضخة للدم ليس إلا ؟ ! وقد أجبنا عن هذا في تفسير الآية السابقة من سورة البقرة ، وخلاصته أن أحد معاني القلب هو العقل ، ومن معاني الصدر ذات الإنسان . إضافة إلى أن القلب مظهر العواطف ، وكلما تأثرت العواطف والإدراكات الروحية في الإنسان ، فإن أول أثرها ينعكس على القلب فتزداد نبضاته ويسرع الدم في جريانه ، ويمنح الجسم نشاطا وحيوية جديدة ، فتنسب الظواهر الروحية إلى القلب ، لأنه أول من يتأثر بها في جسم الإنسان . ( فتأملوا جيدا ) . ومما يلفت النظر أن الآية المذكورة أعلاه نسبت سبل إدراك الإنسان إلى القلب ( العقل ) والأذنين ، إشارة إلى أنه لا سبيل ثالث لإدراك الأشياء والحقائق . فإما أن يتفاعل مع الحدث في أعماق روحه ويسعى لتحليل المسائل بنفسه فيصل إلى النتيجة المتوخاة ، وإما أن يسمع النصيحة من المشفقين الهداة وأنبياء الله وأهل الحق ، أو يصل إلى الحقائق عن طريق هذين السبيلين ( 1 ) . وترسم الآية الثانية - موضع البحث - صورة أخرى لجهل الأغبياء وعديمي الإيمان فتقول : ويستعجلونك بالعذاب فرد عليهم ألا تعجلوا ولن يخلف الله وعده . و " العجول " هو من يخشى فوات الفرصة من يده ، وانتهاء إمكاناتها . أما الله القادر على كل شئ منذ الأزل ، فلا حاجة له بالعجلة ، فهو قادر دوما على الوفاء بما عد ، فلا فرق عنده بين الساعة واليوم والسنة : وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون . وسواء أكان حقا أم باطلا تكرارهم القول : لماذا لم ينزل الله علينا البلاء . فليعلموا أن العذاب يترقبهم وسينزل عليهم قريبا . فإن أمهلهم الله ، فإن ذلك ليعيدوا
--> 1 - عن تفسير الميزان ، المجلد الرابع عشر ، صفحة 426 .